
فلاح محيي الدين
المقدمة
لا يخفى على أحد أن أي مركبة أو آلية تشغل مساحة محددة من الطريق تتناسب مع حجمها وطريقة قيادتها.
وفي حين أن الزيادة المستمرة في أعداد السيارات تتطلب توسعة متوازية في المساحات المخصصة للطرق، إلا أن الأزمة المرورية في محافظة النجف الأشرف لا تقتصر على عدد السيارات فحسب، بل تتداخل فيها عوامل تخطيطية، وبنيوية، وسلوكيات مرورية، فضلاً عن الخصوصية الدينية والسياحية للمحافظة التي تجعلها مقصداً لملايين الزائرين.
وقد بذلت الحكومات السابقة والحالية جهوداً كبيرة لحل مشاكل الازدحامات المرورية من خلال تطوير البنى التحتية للطرق وتنظيم مخططات المدن والطرق بطريقة تتناسب مع التطورات الديموغرافية وحاجة السكان للتنقل بواسطة السيارات، وكذلك الجهود الكبيرة المبذولة من قبل المديرية العامة للمرور لتنظيم حركة سير المركبات ومحاسبة المخالفين، إلا أن الأحداث الجسيمة والمشكلات التي مرت بالعراق من حروب وحصار واحتلال وهجمات إرهابية وما صاحبها من انفلات أمني، كل هذه الأسباب أبطأت من قدرة الدولة على معالجة المشاكل المرورية، وهنا نحاول أن نسلط الضوء على أسباب الاختناقات المرورية وطرق المعالجة لهذه المشكلة.
أولاً: أسباب الاختناقات المرورية (تصنيف شامل وموسع)
1- البنية التحتية والتخطيط العمراني
1. قلة التقاطعات المجسّرة: قلة المجسرات أو الأنفاق في التقاطعات المحورية الرئيسية، مما يجعل عملية اجتيازها تستغرق وقتاً طويلاً وتتسبب بإنشاء «عنق زجاجة».
2. أزمة البنايات والمجمعات التجارية: عدم التزام أو إلزام معظم البنايات والمجمعات التجارية والمستشفيات الخاصة بإنشاء كراجات ومواقف سيارات خاصة بشاغليها وزائريها، مما يضطرهم للوقوف العشوائي على جانبي الطريق.
3. رداءة أسطح الطرق والخدمات: وجود حفريات، وتكسرات، وتصدعات في الشوارع الرئيسية وعدم صيانتها بسرعة، إضافة إلى البطء في إنجاز المشاريع الخدمية.
4. نقص البنية التحتية للمشاة: قلة جسور عبور المشاة في الطرق السريعة والشرايين الرئيسية، أو صغر حجمها.
5. تركيز المراكز الخدمية والحكومية: تجمع معظم الدوائر الحكومية والأسواق المركزية والجامعات في مركز المدينة دون توزيع جغرافي يخفف الضغط المروري.
6. نقص التأثيث للطرق والشوارع: نقص العلامات المرورية ولوحات الدلالة.
ثانياً: السلوكيات المرورية والقيادة الخاطئة
1. عدم الالتزام بالمسارات المحددة: حجز مسارين بمركبة واحدة، والقيادة بسرعة فائقة أو بطيئة جداً مع إرباك حركة السير.
2. استخدام الهاتف المحمول: انشغال السائق بالهاتف أثناء القيادة، مما يبطئ الحركة ويضاعف احتمالية الحوادث المعطلة للسير.
3. ضعف المهارات وغياب الرخصة: قيادة المركبات من قبل أفراد غير مؤهلين أو لا يملكون رخص قيادة رسمية.
4. الوقوف العشوائي والمزدوج: إيقاف السيارات في أماكن يُمنع فيها الوقوف أو الوقوف على الشوارع الرئيسية بشكل مزدوج.
5. عدم التزام المشاة والدراجات: التجاوزات الصريحة من سائقي الدراجات النارية والستوتات لقواعد المرور، وعبور المشاة من غير الأماكن المخصصة.
ثالثاً: العوامل التنظيمية والرقابية
1. الإشارات الضوئية والتقنيات: عدم وجود إشارات ضوئية حديثة في بعض التقاطعات، أو عدم تفعيلها والاعتماد الكلي على التوجيه اليدوي.
2. المركبات البطيئة وغير النظامية: وجود الستوتات والتكتك والعربات البطيئة في الطرق السريعة والمحورية دون تخصيص مسارات محددة لها أو منعها.
3. تأخر الحلول الرقمية والرقابية: التأخر في نشر الكاميرات الرادارية، ونظم المراقبة الذكية، وتطبيق الغرامات الإلكترونية للحد من المخالفات.
4. تأثير المواسم والزيارات الدينية (خصوصية النجف): توافد أعداد كبيرة من الزائرين في المناسبات الدينية والمداخل الرئيسية للمدينة دون وجود خطط مرورية مرنة ومسبقة تستوعب هذه التدفقات.
طرق المعالجة والحلول المقترحة
يمكن تقسيم الحلول إلى سريعة الأثر (قصيرة المدى) واستراتيجية (طويلة المدى).
أولاً: الحلول الهندسية والبنية التحتية (طويلة ومتوسطة المدى)
1. إنشاء المجسرات والأنفاق: إعطاء الأولوية للتقاطعات الأشد ازدحاماً لإنشاء مجسرات أو أنفاق محورية.
2. إلزام البنايات بكراجات موقف: تفعيل الشروط العمرانية بغلق أو عدم إعطاء إجازة ممارسة عمل لأي بناية تجارية أو مستشفى لا يوفر موقفاً داخلياً للسيارات.
3. تطوير الطرق والخدمات: صيانة حفر وتكسرات الشوارع بشكل دوري وسريع (صيانة طارئة)، مع تخصيص مسارات خاصة للمركبات البطيئة أو حظرها في الطرق السريعة.
4. إنشاء جسور مشاة كهربائية/مكيفة: تشجيع المشاة على استخدام الجسور من خلال توفير وسائل مريحة (سلالم كهربائية/مصاعد)، خصوصاً لكبار السن.
ثانياً: الحلول التنظيمية والرقابية (قصيرة ومتوسطة المدى)
1. تفعيل المرور الذكي: نصب الكاميرات ورادارات السرعة وتفعيل نظام المخالفات الإلكتروني المباشر (عبر الهاتف أو الرسائل).
2. تحديث الإشارات الضوئية: استخدام الإشارات الموقوتة الذكية التي تتكيف مع كثافة السير.
3. إبعاد وتوزيع الدوائر والخدمات: إعادة تخطيط أماكن الدوائر الخدمية والجامعات ونقل بعضها إلى أطراف المدينة لفك الخناق عن المركز.
4. تشجيع المواطنين على التنقل الروتيني بواسطة النقل العام: مثل ذهاب وإياب الموظفين الحكوميين والطلبة وأصحاب المحلات التجارية وعمال المصانع من محل سكناهم إلى أماكن عملهم أو دراستهم بواسطة النقل العام، لما لهذه العملية من أثر في تقليل الازدحامات المرورية وتقليل التلوث الناجم عن عوادم السيارات.
5. استثمار المساحات الفارغة: في إنشاء مواقف سيارات طابقية داخل وبجوار المناطق التجارية المزدحمة.
ثالثاً: التوعية والتثقيف المروري (مستمر)
1. حملات توعية مكثفة: إطلاق حملات إعلامية عبر منصات التواصل والإعلام المحلي لتثقيف السائقين بأهمية الالتزام بالمسار، وتجنب استخدام الهاتف، واحترام أسبقية المرور.
2. التشدد في منح رخص القيادة: عدم التساهل في منح إجازات السوق وإجراء اختبارات حقيقية للمهارات والمعرفة بالقوانين.
3. تنظيم حركة الدراجات النارية والستوتات: تسجيل جميع الدراجات وتحديد أوقات أو مسارات محددة لحركتها، وتطبيق القانون بحزم على المخالفين.
مؤسسة الغريين للخدمات العامة والتنمية المستدامة
التاريخ: 28/9/2026
