بقلم: فلاح محيي الدين — 4/11/2025
المقدمة
نظرًا إلى تنامي الحاجة إلى الطاقة الكهربائية في العراق، ولوجود نقص كبير في إنتاج الطاقة الكهربائية، يصبح الاهتمام بإيجاد حلول لمشكلة الطاقة الكهربائية همًّا وطنيًّا كبيرًا يتخطى وزارة الكهرباء إلى وزارات أخرى ومؤسسات حكومية وغير حكومية.
وهنا نتناول إحدى الحلول لهذه المشكلة، وهي أن تكون الجامعات العراقية مصدرًا لتوليد الكهرباء بواسطة الطاقة الشمسية (الألواح الضوئية)، نظرًا لانخفاض كلفة منظومات الطاقة الشمسية وثبات اعتماديتها، فكانت هي الحل الأمثل لهذه المشكلة.
ولدى ملاحظتنا لعدد الجامعات العراقية الحكومية، حيث كان العدد خمسةً وثلاثين جامعة (عدا جامعات كردستان)، ولوجود مساحات أراضٍ كبيرة لجامعاتنا العراقية، يصبح تنصيب منظومات الطاقة الشمسية في الجامعات العراقية موضوعًا يستحق الاهتمام والدراسة.
ما القدرة المناسبة لمحطات الطاقة الشمسية في الجامعات؟
حسب تقديري، فإن الحجم المناسب لمنظومة الطاقة الشمسية لكل جامعة هو ثلاثون إلى خمسين ميغاواط، وهذا الحجم في الغالب يمكن أن يكفي أغلب الجامعات العراقية ويفيض لتغطية كل استهلاك الجامعة من الإنارة والتدفئة والتبريد وتشغيل المختبرات ومنظومات السقي للحدائق، إلخ.
بالإضافة إلى أن حجم ثلاثين ميغاواط مناسب للربط على الشبكة الوطنية (Grid On)، ويتماشى مع المتطلبات الفنية لوزارة الكهرباء لربط محطات الكهرباء الصغيرة على الشبكة الوطنية.
وهذا النوع من الربط يوفر المرونة في ضخ الفائض من إنتاج الكهرباء من محطات الكهرباء الجامعية إلى الشبكة الوطنية، أو السحب الجزئي من الشبكة الوطنية عند الحاجة.
وتُنظَّم هذه العملية بطريقة الربط الكهربائي المعتمد عالميًا، وتُركَّب العدادات المناسبة لحساب الطاقة الكهربائية الفائضة التي تُجهَّز للشبكة الوطنية أو المأخوذة من الشبكة الوطنية.
حيث تتحول الجامعات من مستهلك للطاقة الكهربائية إلى مكتفٍ ذاتيًا، ويُضخ الفائض من الكهرباء المنتج بواسطة محطاتها التوليدية إلى الشبكة الوطنية.
كيف يمكن تركيب محطات الطاقة الشمسية وتشغيلها؟
يمكن تركيب الألواح الضوئية بعدة طرق، منها أن تُركَّب في الساحات المتروكة في الجامعات، وكذلك يمكن أن تُركَّب الألواح الضوئية في كراجات السيارات، وكذلك على أسطح بعض المباني.
أما أجهزة تحويل الكهرباء من الكهرباء المستمر إلى الكهرباء المتردد (الإنفيرتر) والتحكم في التردد، فيمكن أن يُبنى لها مبنى أو مبانٍ صغيرة محددة لهذا الغرض.
أما تشغيل منظومات الطاقة الشمسية، فهو لا يتطلب أي تدخل بشري سوى المراقبة من مهندس كهرباء أو أكثر. وبالطبع، المهندسون متوفرون في أغلب الجامعات، حيث إن معظم الجامعات تحتوي على كليات هندسة، وأغلبها يحتوي على قسم الكهرباء.
حيث يمكن الاستفادة من الكوادر الهندسية لأقسام الكهرباء، وفي حال عدم وجود قسم كهرباء، يمكن الاستفادة من مهندسي الكهرباء في القسم الهندسي في رئاسة الجامعة.
ومما تقدم، تصبح الكلفة التشغيلية للمنظومات قريبة من الصفر، كون رواتب مهندسي الكهرباء مدفوعة ضمنًا مع كوادر الجامعة.
الفوائد التي يمكن الحصول عليها من تركيب منظومات الطاقة الشمسية للجامعات
- توفير الكهرباء للجامعات بصورة مستمرة ودون التأثر بالقطع المبرمج للكهرباء.
- التخلص من عبء فواتير الكهرباء على الجامعات.
- ضخ الفائض من الكهرباء إلى الشبكة الوطنية، وخاصة في أيام الجمعة والسبت والأعياد والعطل والمناسبات، وكذلك في الأوقات قبل بداية الدوام وبعد نهاية الدوام، ومع وجود أشعة الشمس، وخاصة في فصل الصيف، كون فترة النهار تصل إلى أربعة عشر ساعة، لتكون الجامعات مصدرًا لرفد الشبكة الوطنية بالكهرباء بدلًا من أن تكون مستهلكًا للكهرباء.
- الحصول على عائد مالي جراء بيع الكهرباء المنتجة من محطات الجامعات إلى وزارة الكهرباء، مما يساعد في تقليل التمويل الحكومي للجامعات الحكومية.
- يمكن الاستفادة من محطات الطاقة الشمسية في الجامعات لأغراض التدريب لطلبة قسم الكهرباء.
- تساهم محطات الطاقة الشمسية في التقليل من اعتماد إنتاج الكهرباء على الوقود الهيدروكربوني، مما يساهم في حل أزمة الوقود لمحطات الكهرباء.
- تساهم محطات الطاقة الشمسية في تقليل انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون والغازات الملوثة الأخرى، مثل أكاسيد النيتروجين وأكاسيد الكبريت.
- يمكن أن تساهم محطات الطاقة الشمسية في الجامعات في توفير الكهرباء لأجهزة شحن السيارات الكهربائية للجامعة، وكذلك لسيارات كوادر الجامعة بأسعار مخفضة، لتقليل أضرار التلوث الناتج من عوادم السيارات.
- هذه المحطات تخفف الحمل عن شبكات نقل الكهرباء، حيث إن الكهرباء المنتجة من محطة الطاقة الشمسية في الجامعة إما أن تُستهلك داخل الجامعة أو تُستهلك في الغالب في محطة التوزيع نفسها التي ترتبط بها.
- الحصول على عائد إضافي للحكومة العراقية من الكربون كريدت.
الكلفة والتمويل
إن كلف إنشاء المحطات الشمسية انخفضت بشكل معقول جدًا، وأصبحت كلفة الميغاواط الواحد من منظومات الطاقة الشمسية تتراوح بين 550,000–650,000 دولار أمريكي، وذلك حسب جودة المواد المستخدمة وكذلك طرق تركيب الألواح.
ولو فرضنا أنه تم تركيب ما مجموعه 1000 ميغاواط لمجموع الجامعات الحكومية، وبمعدل 600,000 دولار للميغاواط، تصبح مجموع كلف هذه المحطات بحدود 600 مليون دولار.
وفي حال تم اختيار شركات صينية رصينة لتجهيز وتنصيب منظومات الطاقة الشمسية، عندئذ يمكن أن يكون التمويل من المبالغ المتوفرة في الصندوق لصالح العراق من الاتفاقية العراقية الصينية.
أما مدة التنفيذ، ففي حال التزام الشركات المنفذة وتعاون إدارة وكوادر الجامعات مع الشركات المنفذة، فيمكن إكمال هذا المشروع في فترة لا تزيد عن سنة ونصف.
الجدوى الاقتصادية
أولًا: الطاقة المنتجة كليًا في السنة
إن معدل إنتاج واحد كيلوواط من الألواح الشمسية ينتج 2200 كيلوواط/ساعة سنويًا.
ثانيًا: حساب الإيراد المتحقق
سوف نقوم بافتراض أن يكون سعر بيع الكيلوواط إلى الشبكة الوطنية 4.5 سنت أو 60 دينارًا، وكذلك نفترض أن معدل سعر استهلاك الكهرباء للجامعة بنفس السعر، وهو 60 دينارًا للكيلوواط.
إذن سنعتمد السعر الموحد 60 دينارًا لكل كيلوواط/ساعة.
العائد السنوي = القدرة السنوية المنتجة لكل كيلوواط/ساعة سنويًا × مجموع القدرات الكلية للمحطات × سعر الكيلوواط الواحد.
العائد السنوي = 2200 كيلوواط/ساعة × 1,000,000 (ألف ميغاواط) × 60 دينارًا
= 132,000,000,000 دينار سنويًا
أي مائة واثنان وثلاثون مليار دينار سنويًا.
ثالثًا: المصروفات السنوية
بشكل عام، المصروفات السنوية للعشر سنوات الأولى تكون أقرب إلى الصفر، كون المنظومات تخضع لفترة ضمان، وتنحصر المصاريف السنوية للمحطة لما بعد السنوات العشر الأولى بقطع الغيار مع أجور التبديل لها.
وفي الغالب عالميًا تُحسب بنسبة لا تزيد عن 2% من كلفة المحطة، أما الرواتب فلا يتم احتسابها، كونها مدفوعة سلفًا من رواتب موظفي الجامعة.
رابعًا: فترة الاسترداد للمبلغ المستثمر في محطات الطاقة الشمسية للجامعات الحكومية
فترة الاسترداد المالي = كلفة المحطات ÷ العائد السنوي
= 600,000,000 ÷ 132,000,000,000
= 6 سنوات، وهي فترة استرداد جيدة.
الضمان والصيانة
إن كل الشركات المنتجة لمكونات منظومات الطاقة الشمسية أصبحت تعطي ضمانًا على مكونات المحطات المجهزة، حيث تعطي الشركات ضمانًا على الإنفيرتر لمدة 5 سنوات، وتعطي 12 سنة على الألواح الضوئية.
أما الشركات الكبيرة فأصبحت الآن تعطي ضمانًا على الإنفيرتر لمدة 10 سنوات، مما يجعل كلفة الصيانة على منظومات الطاقة الشمسية صفرًا خلال العشر سنوات الأولى.
وللحصول على خدمة صيانة جيدة، أقترح أن يتضمن العقد مع الشركة الصينية المجهزة لمنظومات الطاقة الشمسية أن تقوم الشركة بإنشاء ورشة للصيانة في العراق، مع توفير قطع الغيار اللازمة للمنظومات الشمسية، لتقديم خدمات الصيانة المجانية في فترة الضمان.
وأن يُشترط على الشركة ألّا تقل نسبة المهندسين والفنيين العراقيين لديها عن 50%، وذلك لضمان انتقال خبرات الصيانة إلى الكوادر العراقية، بالإضافة إلى إيجاد فرص عمل أكثر للعراقيين.
أما بالنسبة إلى تنظيف الألواح الشمسية من الغبار، فكانت الطريقة السابقة هي طريقة الغسل بالماء النقي وفرشاة متحركة، وقد طورت بعض الشركات الألواح الشمسية، وذلك بتصنيعها بحيث لا يلتصق الغبار على وجه الألواح الشمسية.
تعميم التجربة على الجامعات والكليات الأهلية
يمكن تعميم التجربة أعلاه على الجامعات والكليات الأهلية، وبنفس طريقة التمويل، على أن تسدد الجامعات والكليات الأهلية مبلغ التمويل بالتقسيط وخلال خمس إلى ست سنوات، وبدون فائدة أو بفائدة رمزية.
وفي الغالب سيكون حجم منظومات الطاقة الشمسية للجامعات والكليات الأهلية أصغر من المنظومات التي تُركَّب في الجامعات الحكومية، وذلك كون مساحات الأراضي للجامعات الأهلية بشكل عام أقل من مساحات الأراضي.

